ما مدى صعوبة التخلي عن لهجتك والنطق بلهجة جديدة؟

ما مدى صعوبة التخلي عن لهجتك والنطق بلهجة جديدة؟

يوجد اعتقاد سائد لدى العديد من الأشخاص والمجتمعات أن تعلّم اللغات حكرٌ فقط على صغار السن وأنَّ سنوات تعلّم اللغة بالنسبة  للبالغين قد ولَّت بالفعل. هذه  الأسطورة جعلت الكثير من الناس يعتقدون أنهم لن ينجحو أبداً في تعلم اللغة وإن كنت أنت واحداً منهم فهذا ليس خطأك! تأكّد أنه يمكنك تحقيق الطلاقة في أي لغة تتعلمها لكن يجب عليك أولاً التخلي عن هذا الاعتقاد والتوقف عن التفكير فيما لو كنت قد بدأت في سنٍ أصغر، فدعنا نكون أول من يكسر هذه القاعدة بالنسبة لك.


بدايةً إذا كنت شخص بالغ وبدأت بتعلم لغة جديدة فأنت في الواقع تتمتع بميزة جيدة ألا وهي قدرتك على ترتيب الأفكار وتكوين الجمل وتنسيق المفردات والقواعد الجديدة بذهنك بطريقة يسهل الوصول إليها عند حاجتك لها أما الفرق الوحيد بينك وبين الفئة العمرية الأصغر في تعلم لغة جديدة هو الجهد الذي تبذله في التمرّن على النطق واللفظ الصحيح لِلهجة اللغة الجديدة، مما يعني قدرتك على تقليد اللهجة الأصلية بدقة.


فالسؤال هنا: هل نستطيع التخلي عن الاعتقاد بأنَّ تعلم لغة جديدة مرتبط فعلاً بالفئة العمرية الصغيرة وأنّه كلما تقدم بنا السن تصبح المسألة معقدة وأكثر صعوبة! وهل ينبغي فعل شيء حيال هذا الأمر؟

سنتناول في هذا المقال جوانب متعددة لهذا الموضوع ونرى مختلف وجهات النظر.

لماذا يعتبر إتقان اللهجة عقبة لمتعلمي اللغات البالغين؟ 

يوجد فرضية تدعى "الفترة الحرجة" بمعنى أنّه يوجد فترة حرجة للقدرة على تعلم اللغات وهي تنخفض باستمرار بعد سن البلوغ. لقد تم طعن هذه الفرضية من قبل العديد من الباحثين. فعلى الرغم من أن أبحاث تنمية الطفل وتعزيز قدرته على استيعاب لغة جديدة كان لها الحصة الأكبر في أبحاث الفترة الماضية إلا أن الدراسات الجديدة بدأت تظهر اهتمامها في الإشارة إلى أن البالغين يميلون إلى التفوق على الأطفال في استيعاب لغات جديدة. يمكن للبالغين تجميع جمل كاملة إلى حدٍ ما في لغة ثانية من خلال تنسيق المفردات الجديدة وربطها ذهنياً مع القواعد اللغوية ويرجع ذلك بشكل جزئي إلى أنَّ البالغين يمتلكون بالفعل فهماً فطرياً للقواعد وبذلك يصبح الأمر أسهل وبديهي أكثر بالنسبة لهم.

لكن بعد ذلك هناك النطق حيث لا يزال الأطفال هنا يتمتعون بميزة وذلك لأن المهارات الحركية واللغوية تصبح ثابتة في لغة الطفل الأولى، و مع تقدم الشخص في العمر يصبح الدماغ أقل مرونة في هذا الصدد.

 

أوضحت Patricia Kuhl مديرة مركز الدماغ والتنمية والتعلم في جامعة واشنطن، لمجلة Smithsonian أن أدمغة الأطفال حريصة على فهم جميع المحفزات والتنبيهات سواء السمعية أو البصرية التي يتعاملون معها حتى قبل الولادة، فالخلايا العصبية لدينا تسعى جاهدة بالفعل لتشكيل نقاط الاشتباك العصبي والاتصالات بين خلايا الجسم كافة، وبمرور الوقت تبدأ أدمغتنا في تحديد أصوات الأحرف التي نسمعها كثيراً وبشكل متواصل ووضعها في خريطة ذهنية معينة، مما يعني استبعاد الأصوات التي لا نسمعها من هذه الخريطة وبالتالي نبدأ في التعرف تلقائياً على الأصوات في لغتنا الأم على أنها (صوت المنزل) كما تصفها المديرة Kuhl ونصبح أقل قدرة على إعادة رسم وبناء هذه الخرائط مع تقدمنا في العمر. 

 

الأطفال ثنائيو اللغة أو متعددو اللغات قادرون على إنتاج أكثر من خريطة ذهنية واحدة، لكن أدمغة البالغين تجد صعوبة في تقديم مواد جديدة إلى خرائطهم الحالية أو تشكيل خرائط جديدة للغة جديدة، وكذلك يتم إنشاء خرائط صوتية للأصوات المعتادين على سماعها بشكل أسرع من إنشاء خريطة صوتية كاملة للغة جديدة.

وجدت دراسة أجرتها Kuhl وزملاؤها أنه في عمر ستة أشهر يستجيب الأطفال بشكل متساوٍ للأصوات المشتركة  في اللغتين اليابانية والإنكليزية لكن في الشهر العاشر أي بعد أربعة أشهر فقط يتوقف الأطفال عن ملاحظة الأصوات الغير موجودة في لغتهم الأم.

 

هذا لا يعني أن الشخص سوف يفقد القدرة على إنشاء خرائط صوتية جديدة بعد عمر السنة حيث وجد مجموعة من الباحثين أن مرونتنا في هذا الصدد تبدأ بالتناقص بشكل تدريجي مع اقترابنا من سن البلوغ وأن قوة المرء ترتبط ارتباطاً مباشراً بالعمر الذي تعلم فيه لغة ثانية.

 

كلما تقدمت في العمر أصبحت خريطة الأصوات أكثر جمود ورتابة ويصعب التعديل عليها وفي النهاية يصبح من الصعب حقاً إضافة اللغة الجديدة إلى خريطة ذهنك الأساسية الموجودة بالفعل في رأسك. في الحقيقة أنت لا تسمع الأصوات الجديدة كما هي فعلاً، بل تسمعها مترجمة بشكل سيء للأصوات التي تعرفها بالفعل والتي تعتبر مألوفة لديك.

 

الطلاقة الكاملة هدف أم عقبة؟

من الصعب للغاية الوصول للطلاقة الكاملة للهجة اللغة الجديدة التي تتعلمها بمجرد بلوغك العشرينات من العمر لكن هذا لا يعني أنه لا يمكنك المحاولة والنجاح بدرجات متفاوتة.

واحدة من أفضل الطرق للقيام بذلك هي العيش في مكان تضطر فيه إلى الاستماع والتحدث إلى اللغة الجديدة كل يوم، قد تكون لهجتك الأساسية متجذرة لكنها ليست محصَّنة تماماً من التأثيرات الخارجية وبذلك يصبح التخلي عنها والخروج من قيودها أمراً سهلاً يوماً بعد يوم. ومع الوقت وبالتعايش مع أصحاب اللغة الجديدة الأصليين ستبدأ التغييرات التي طرأت على لهجتك وطريقة نطقك للغة الجديدة بالظهور ومثال على ذلك قد يعود صديقك إلى المنزل من فصل دراسي خارجي ويبدو مختلفاً بعض الشيء عمّا كان قبل سفره وذلك بطريقة كلامه وأسلوبه وحتى بطريقة نطقه، وأنت أيضاً ربما تغير نغمة صوتك بشكل طفيف جداً عندما تتجول مع أشخاص مختلفين لمدة زمنية معينة وذلك بشكل غير إرادي، وتبدأ تعتاد على ثقافتهم وأسلوب لهجتهم وقد تحفظ أيضاً كلمات جديدة منهم باللاوعي وبالنهاية تجد نفسك تتحدث بشكل موازي لطريقتهم وأسلوبهم.

يمكنك القيام بتمارين صوتية للمساعدة في تقليد اللهجة والمثابرة على ذلك قد تعطيك الفرصة لتكون طبيعياً بما يكفي لخداع متحدث أصلي ولكن ليس بشكل تام.

 

مع ذلك، من المهم أن تضع في اعتبارك أنك لست مضطراً لقتل لهجتك لتحقيق النطق الصحيح. كما أن إزالة كل تأثير خفي في صوتك ليس ضرورياً كي تكون طليقاً في اللغة التي تتعلمها وترغب بالتحدث بها.

هناك مسألة يجب عليك تحديدها هل الطلاقة المثالية هي هدفك النهائي عندما يتعلق الأمر بتعلم اللغة أم يكفي الوصول لمستوى جيد من فهم اللغة والتحدث بها للوصول لهدفك من تعلم اللغة؟!

على أية حال طالما أنك متفاهم مع ذاتك وتستطيع التعبير عما تريده باللغة الجديدة وتحيط بها وتستطيع التعامل معها بسهولة بإمكانك الاعتبار أنك وصلت بالفعل لإتقانها بشكل ممتاز. لا تنسى أن التركيز المفرط على لكنتك الأصلية يمكن أن يعيقك في الواقع عن الاستمتاع بالمهارات اللغوية الجديدة التي طورتها.

اترك تعليقاً لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.